اسماعيل بن محمد القونوي

335

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الغفلة أما القيلولة فظاهرة وأما البيتوتة فلأن المراد بها البيتوتة على وجه فرط التنعم والفخر والكبر ولا شك أنه من كمال الغفلة عن الاستعداد للموت والإنابة إلى دار الخلود فقوله ( ولذلك خص الوقتين ) دليل أني على تلك الغفلة ولميتها حب الدنيا واستيلاء الشهوات اللذيذة وفيه إشارة إلى أنهم أصحاب الترفه والتنعم ( ولأنهما وقت دعة واستراحة ) . قوله : ( فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع ) فيكون العذاب فيهما لتكميل جزائهم وإنما كان أفظع لكونه خلاف ما يتوقعون فيهما من الدعة بفتح الدال والتخفيف الراحة والاستراحة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 5 ] فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 5 ) قوله : ( أي دعاؤهم ) أي دعوى مصدر بمعنى الدعاء كقوله تعالى : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [ يونس : 10 ] . قوله : ( وبمعنى الاستغاثة ) الظاهر من كلام المص أن الاستغاثة عطف تفسير للدعاء وفي بعض النسخ ( أو استغاثتهم ) فيكون المعنى حينئذ أو عاقبة استغاثتهم إلى الأصنام ويجيء بمعنى الادعاء لا بمعنى المصدر بل بمعنى المفعول أي المدعى أي ما كان دعاؤهم إلا هذا الاعتراف وكون اعتراف ظلمهم دعاء من قبيل ولا عيب فيهم قوله فيكون بيان عدم دعائهم في ذلك الحين على وجه المبالغة . قوله : ( أو ما كانوا يدعون من دينهم الا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه بطلانه قوله : ولأنهما وقت دعة أي راحة من قولهم رجل متدع أي صاحب راحة ودعة فعطف واستراحة عليها عطف تفسر فالوجه الأول هو المبالغة في غفلتهم والثاني بيان فظاعة حالهم فإن قوم لوط أهلكوا بالليل وقت السحر وقوم شعيب وقت القيلولة . قوله : أي دعاؤهم واستغاثتهم أو ما كانوا يدعونه فسر الدعوى في فما كان دعواهم على ثلاثة أوجه الوجهان الأولان على أن الدعوى بمعنى الدعاء فأما لا على سبيل الاستعارة فهو الوجه الأول وعلى سبيل الاستعارة في معنى الإغاثة فهو الوجه الثاني وأما الوجه الثالث فعلى أن الدعوى بمعنى الادعاء الذي هو بمعنى المدعى فمعنى الآية إذا أريد بالدعوى حقيقة الدعاء ما كان دعواهم إلا قولهم إنا كنا ظالمين أنفسنا بارتكاب المعاصي كقوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] وإذا أريد بالدعوى معناها المجازي الذي هو الاستغاثة كان المعنى ما كان استغاثتهم إلا قولهم إنا كنا ظالمين في استغاثنا بالأصنام لأنه لا يستغاث من اللّه بالغير فإنهم كانوا يستغيثون من اللّه بتوسيط أصنامهم بينهم وبين اللّه فلما جاءهم بأس اللّه استغاثوا قائلين هذا القول وأما معنى الآية إذا أريد بالدعوى بمعنى المدعي ما كان حاصل دينهم ومذهبهم الذي كانوا عليه إلا الاعتراف ببطلانه فما في قوله : ( أو ما كانوا يدعونه ) عبارة عن دعواهم لا تفسير ما في فما كان فإنه نافية وما في قوله أو ما كانوا يدعونه موصولة قال صاحب الكشاف ودعواهم نصب خبرا لكان فيه إشكال لأنه إذا انتفى الإعراب في الفاعل والمفعول والقرينة وجب تقديم الفاعل وأجيب أنه قيس على نظائره من الآيات فما كان جواب قومه إلا أن قالوا وما كان حجتهم إلا أن قالوا وكان عاقبتهما أنهما في النار ولهذا وقع اختيار النحويين كان على هذا الوجه وإن لم يكن بين الوجهين فرق بحسب المعنى لأن كلا منهما يفيد قصر الدعوى على القول .